أصدر مكتب الاستثمار الرئيسي لإدارة الثروات العالمية في يو بي إس (UBS) تقريراً جديداً يسلط الضوء على تطور قطاع الاستثمار الرياضي وتحول كرة القدم من لعبة شعبية إلى صناعة عالمية متكاملة. وأوضح التقرير أن المؤسسات الرياضية تشهد تحولاً هيكلياً نحو التنظيم المؤسسي والتطور التجاري. ونتيجة لذلك، أصبحت هذه الكيانات تمتلك مصادر إيرادات متنوعة وآليات تسييل أقوى لتعزيز قيمتها الاستراتيجية.
وتعد كرة القدم نموذجاً واضحاً لهذا التحول بفضل قاعدتها الجماهيرية التي تصل إلى خمسة مليارات مشجع حول العالم. ومن المتوقع أن تستقطب بطولة كأس العالم 2026 أكثر من ستة مليارات شخص، ما يعادل ثلاثة أرباع سكان العالم. علاوة على ذلك، تشير التقديرات إلى أن البطولة قد تضيف نحو 41 مليار دولار أمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
نمو قطاع الاستثمار الرياضي عالمياً
تشهد الأندية الكبرى نمواً مالياً غير مسبوق نتيجة لزيادة إيرادات البث والرعاية والأنشطة التجارية. ووفقاً لتقرير ديلويت لتمويل كرة القدم، سجلت الأندية العشرين الأعلى ربحاً إيرادات قياسية بلغت 12.4 مليار يورو في موسم 2024/25، بزيادة سنوية قدرها 11%. وبناءً على ذلك، أصبح الاستثمار الرياضي فئة أصول هيكلية تجذب اهتمام المؤسسات المالية الكبرى الباحثة عن عوائد مستقرة.
وفي هذا السياق، تسعى الأندية إلى تنويع مصادر دخلها من خلال تطوير الملاعب وتحويلها إلى وجهات متعددة الاستخدامات لاستضافة الفعاليات الترفيهية والحفلات الموسيقية. على سبيل المثال، ساهم الملعب الجديد لنادي توتنهام الإنجليزي، الذي بلغت تكلفة بنائه 1.2 مليار جنيه إسترليني في عام 2019، في زيادة الدخل التجاري للنادي من 117 مليون جنيه إسترليني في عام 2018 إلى 215 مليون جنيه إسترليني في عام 2022. وتدعم هذه المشاريع قطاع السياحة والطيران الإقليمي بشكل مباشر.
دور التكنولوجيا في تطوير الأداء وتفاعل الجماهير
أصبحت التكنولوجيا جزءاً أساسياً من العمليات اليومية للأندية لإعداد اللاعبين وإدارة الأحمال البدنية وتجنب الإصابات. وتستخدم أندية مثل ليفربول تطبيقات رقمية مخصصة تجمع بين البيانات الصحية وبيانات الحركة القائمة على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). بالإضافة إلى ذلك، ساهمت تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) والتقنيات شبه الآلية في زيادة دقة القرارات التحكيمية وتغيير سلوك اللاعبين على أرض الملعب.
وعلى صعيد تفاعل الجماهير، تستخدم الأندية منصات رقمية متطورة لبناء علاقات مستمرة مع مشجعيها خارج أوقات المباريات. وتبرز في هذا المجال أنظمة مثل “سجل المشجع الذهبي” لنادي بايرن ميونخ، والذي يدمج البيانات من عشرات الأنظمة الداخلية لتخصيص المحتوى الرقمي. وتتيح هذه التطبيقات والبرمجيات الحديثة للأندية تعزيز الولاء وتوسيع نطاق انتشارها التجاري عالمياً.
تغير اقتصاديات الرياضة وأنماط استهلاك المحتوى
تشهد أنماط استهلاك المحتوى الرياضي تحولاً ملحوظاً نحو المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي. وتشير البيانات إلى أن 74% من عشاق الرياضة يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لمتابعة الأحداث الرياضية، بينما يفضل 61% مشاهدة الملخصات والمقاطع القصيرة عبر الهواتف المحمولة. ويساهم هذا التغيير في زيادة القيمة التجارية للمحتوى الرقمي وتوفير نقاط تفاعل إضافية للرعاة والمعلنين.
وفي الوقت نفسه، يسجل قطاع الرياضة النسائية نمواً متسارعاً بعد سنوات من ضعف التمويل. وقد استقطبت بطولة كأس العالم للسيدات 2023 ما يقرب من ملياري مشاهد عالمياً، وحققت إيرادات بلغت 570 مليون دولار أمريكي. وتتوقع الفيفا أن تصل إيرادات البطولة المقبلة في عام 2027 إلى مليار دولار أمريكي.
تحول نماذج الملكية ودخول رأس المال المؤسسي
تطورت نماذج الملكية في كرة القدم مع تزايد مشاركة صناديق الاستثمار المباشر ورأس المال الجريء. وتوضح تقديرات بيتش بوك أن أكثر من 36% من أندية الدوريات الخمسة الكبرى في أوروبا حصلت على دعم من صناديق الاستثمار في موسم 2025/26. وتتنوع هذه الاستثمارات بين شراء حصص الأقلية، والاستحواذ الكامل، والتمويل بضمان الأصول العقارية وحقوق البث.
ومع ذلك، يؤكد التقرير أن نتائج الاستثمار الرياضي تختلف بشكل كبير بناءً على الدوري والجغرافيا ونموذج العمل المتبع. وتظهر حالات مثل انهيار شركة 777 بارتنرز في عام 2024 أهمية إجراء الفحص النافي للجهالة لتجنب مخاطر التمويل غير المستدام. لذلك، يجب على المستثمرين التمييز بين الاستثمارات القائمة على العاطفة وتلك الموجهة لتحقيق عوائد مالية واضحة في قطاع الاقتصاد والأعمال.
وفي الختام، يظهر التقرير أن الرياضة أصبحت قطاعاً أكثر نضجاً وقابلية للقياس والتنبؤ المالي. وتساهم ندرة الأصول الرياضية والطلب المستمر عليها في جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل الباحثة عن تنويع المحافظ الاستثمارية.




