الإمارات الذكاء الاصطناعي يشهد نقلة نوعية حيث تتصدر دولة الإمارات المشهد العالمي للابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة وخدمات الشركات، وفقاً لورقة بحثية حديثة من شركة غلوبال ميلينيال كابيتال صادرة بتاريخ 27 أبريل 2026. تسلط الدراسة الضوء على فرصة استثمارية تُقدّر بنحو 140 مليار دولار أمريكي عبر نخبة من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي، وتؤكد أن المنظومة السياسية المتكاملة في دولة الإمارات تضع الدولة في موقع فريد لتكون مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

تستعرض الورقة دور تقنيات الذكاء الاصطناعي ونماذج الأعمال الناشئة والأطر التنظيمية في إعادة رسم ملامح الاقتصاد العالمي. يأتي هذا التقرير في توقيت حاسم لدولة الإمارات ومنطقة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث بات الذكاء الاصطناعي ركيزة محورية في الاستراتيجيات الوطنية الرامية إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وتعزيز مستويات التنافسية.

الأساس الاستراتيجي للإمارات في الذكاء الاصطناعي

تستند مكانة الإمارات الذكاء الاصطناعي على ثلاث ركائز هيكلية رئيسية. تتمثل الأولى في الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي لدولة الإمارات 2031، وهي خارطة طريق شاملة تهدف إلى دمج هذه التقنيات عبر قطاعات حيوية تشمل الحكومة والرعاية الصحية والنقل والتعليم. أما الركيزة الثانية فتتمثل في وزارة الذكاء الاصطناعي، التي تأسست في عام 2017 كأول وزارة من نوعها على مستوى العالم، حيث تضطلع بدور محوري في صياغة السياسات وضع المعايير الأخلاقية.

تتمثل الركيزة الثالثة في إرشادات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والحوكمة، وهي إطار تنظيمي قائم على المبادئ ويرتكز على الشفافية والمساءلة وحماية الخصوصية والبيانات. بالاقتران مع وفرة رؤوس الأموال السيادية والخاصة والتوسع المتسارع في مراكز البيانات، ترسخ الإمارات مكانتها كمركز عالمي متقدم للابتكار وقاعدة استراتيجية للبنية التحتية.

النمو الاستثنائي لشركات الذكاء الاصطناعي العملاقة

تظهر الأبحاث الأصلية من غلوبال ميلينيال كابيتال، المنشورة في يوليو 2024، تقييماً إجمالياً بنحو 140 مليار دولار أمريكي لثلاث من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي في سان فرانسيسكو: OpenAI وAnthropic وDatabricks. وبحلول مارس 2026، قفزت القيمة الإجمالية لهذه الشركات إلى نحو 1.37 تريليون دولار أمريكي، في نمو استثنائي يقارب عشرة أضعاف خلال أقل من عامين.

على المستوى الكلي، تتوقع شركة بي دبليو سي أن يسهم الذكاء الاصطناعي بنحو 320 مليار دولار أمريكي في اقتصاد الشرق الأوسط بحلول عام 2030. تسجل دولة الإمارات أكبر أثر نسبي يُقدّر بنحو 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل قرابة 96 مليار دولار. تشير تقديرات ماكنزي إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي وحدها قد تضيف ما بين 21 و35 مليار دولار سنوياً إلى الناتج المحلي غير النفطي لدول مجلس التعاون.

تحول سوق العمل والمهارات المتقدمة

يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح سوق العمل العالمي بوتيرة غير مسبوقة. وفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل الوظائف 2025، من المتوقع أن يختفي نحو 92 مليون وظيفة مقابل استحداث 170 مليون وظيفة جديدة عالمياً بحلول عام 2030، بصافي زيادة قدره 78 مليون وظيفة. ستشهد 39 في المائة من المهارات الأساسية تحولاً جوهرياً خلال الفترة ذاتها، مع تصدر مجالات البيانات الضخمة والشبكات والأمن السيبراني قائمة المهارات الأسرع نمواً.

تتقدم دولة الإمارات على هذا المنحنى العالمي عبر خطوات استباقية ملموسة. تشير بيانات Human Capital Consulting إلى أن 80 في المائة من الرؤساء التنفيذيين في الدولة يعملون على إعادة تصميم الوظائف لتعزيز التكامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، فيما يؤكد 92 في المائة جاهزية مؤسساتهم لاعتماد هذه التقنيات بشكل مسؤول، وهي من أعلى مستويات الثقة عالمياً.

تواصل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي رفد السوق بكوادر متخصصة في مجالات متقدمة تشمل الرؤية الحاسوبية والتعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية. تتكامل هذه الجهود مع برامج تدريب الذكاء الاصطناعي على مستوى حكومة دبي والمبادرات الاتحادية مثل برنامج نافس. تسهم هذه الاستثمارات المتكاملة في ترسيخ مكانة القوى العاملة في دولة الإمارات كإحدى أكثر القوى جاهزية لعصر الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.

نماذج الأعمال الناشئة والفرص الاستثمارية

تحدد الورقة ستة نماذج أعمال متسارعة النمو يُتوقع أن تقود موجة خلق القيمة في قطاع الذكاء الاصطناعي. تشمل هذه النماذج الذكاء الاصطناعي كخدمة، تحقيق الدخل من البيانات، المنتجات المعززة بالذكاء الاصطناعي، المنصات القائمة على الذكاء الاصطناعي، الحلول المخصصة، والتحليلات المدعومة به. تتسق هذه النماذج بشكل مباشر مع طموحات دولة الإمارات الرامية إلى بناء بنية تحتية سيادية للبيانات وتطوير شركات وطنية رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.

قال أندريا دانيلا، الشريك العام في غلوبال ميلينيال كابيتال: “إن إعادة التقييم التي قاربت عشرة أضعاف لشركات OpenAI وAnthropic وDatabricks لا تعكس فقاعة مؤقتة، بل تمثل إعادة تسعير جوهرية للذكاء الاصطناعي باعتباره بنية تحتية اقتصادية حيوية”. أضاف أن الاستثمار في الاقتصاد القائم على المعرفة يُعد الآلية الأساسية التي تمكن رؤوس الأموال في دول مجلس التعاون من تحويل فوائض الهيدروكربونات إلى إنتاجية مستدامة.

“من منظور بحثي تقني، تتقاطع هذه التوجهات بشكل شبه كامل مع الأطروحة الاستراتيجية لدول مجلس التعاون؛ إذ إن الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي أصبح قراراً استثمارياً يُتخذ على مستوى مجالس الإدارة”

إيه جي جينا، باحث متعاون لدى غلوبال ميلينيال كابيتال

يؤكد إيه جي جينا، الباحث المتعاون، أن ما يميز موقع دولة الإمارات هو القدرة على توظيف الصرامة التنظيمية كميزة تنافسية قائمة على الثقة. على المستثمرين اعتماد حوكمة البيانات وسيادتها وأداء النماذج باللغة العربية كمعايير أساسية ضمن عمليات التقييم.

دور رأس المال الجريء والاستثمار الخاص

لا يمكن تمويل التحول نحو اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي عبر الأسواق العامة وحدها؛ إذ يضطلع رأس المال الجريء والاستثمار الخاص بدور محوري لا غنى عنه في توجيه رؤوس الأموال طويلة الأجل نحو التقنيات المتقدمة. يُعد مسار شركة OpenAI، من التزامات تمويلية أولية بقيمة مليار دولار إلى قيمة مؤسسية بلغت 852 مليار دولار أمريكي، نموذجاً بارزاً على قدرة رأس المال الخاص على تحويل الاختراقات العلمية إلى قيمة اقتصادية ملموسة.

في دولة الإمارات ومنطقة مجلس التعاون، تتجه صناديق الثروة السيادية والمكاتب العائلية وجيل جديد من شركات رأس المال الجريء نحو توجيه استثماراتها إلى مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للحوسبة ومنصات البيانات. أصبح هذا الهيكل الرأسمالي إحدى الركائز الأساسية لدفع جهود تنويع الاقتصاد وتسريع التحول نحو نموذج اقتصادي أكثر استدامة، وتعزيز ريادة الإمارات العالمية في مجالات البنية التحتية والخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.