كشفت دراسة تحليلية حديثة أن الاقتصاد البرتقالي أصبح أحد أبرز محركات بناء السمعة الوطنية وتعزيز الصورة الدولية للدول، في ظل التحولات المتسارعة في منظومة الاتصال العالمي والرقمي.

أجرت شركة W7Worldwide للاستشارات الاستراتيجية والإعلامية الدراسة، التي أوضحت أن الاقتصاد الإبداعي يمثل نموذجًا متكاملًا يجمع بين الإبداع والثقافة والتكنولوجيا. يحوّل هذا النموذج الأفكار والمنتجات الثقافية إلى أصول اقتصادية واتصالية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي.

القيمة الاقتصادية العالمية

بيّنت الدراسة أن الصناعات الإبداعية تساهم بنحو 2.3 تريليون دولار سنويًا في الاقتصاد العالمي، بما يعادل 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. توفر هذه الصناعات نحو 48 مليون وظيفة مباشرة، مع نمو متسارع في صادرات الخدمات الإبداعية التي بلغت نحو 1.4 تريليون دولار.

يشمل هذا القطاع مجموعة واسعة من الصناعات، من بينها الفنون البصرية والأدائية والسينما والموسيقى والتصميم والإعلام والمحتوى الرقمي والألعاب الإلكترونية، إلى جانب التراث الثقافي والحرف اليدوية. يعزز هذا التنوع قدرة القطاع على نقل الهوية الثقافية للدول وتشكيل انطباعات إيجابية لدى الجمهور الدولي.

الاتصال العاطفي والتأثير الثقافي

أكدت الدراسة أن الصناعات الإبداعية لديها القدرة على بناء ارتباط عاطفي مع الجمهور من خلال تقديم تجارب ثقافية تعكس نمط الحياة والقيم. يعزز هذا الارتباط تأثيرها في تشكيل الصورة الذهنية ويمنحها عمقًا أكبر مقارنة بأساليب الاتصال التقليدية.

تلعب العلاقات العامة والإعلام الرقمي دورًا محوريًا في تضخيم هذا التأثير عبر توحيد الرسائل وإدارة التغطيات الإعلامية وتحويل الفعاليات والمنتجات الإبداعية إلى محتوى قابل للانتشار عالميًا. يمثل الإعلام الرقمي عاملًا رئيسيًا في تسريع انتشار المحتوى الإبداعي وتعزيز تأثيره في تشكيل الصورة الذهنية للدول.

النموذج السعودي والقوة الناعمة

سلطت الدراسة الضوء على تجربة المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجًا متقدمًا في توظيف الصناعات الإبداعية ضمن إطار استراتيجي متكامل تقوده رؤية السعودية 2030. وضعت الرؤية الثقافة والترفيه والإعلام ضمن محركات التنويع الاقتصادي وبناء القوة الناعمة.

أظهرت المؤشرات أن نمو الاقتصاد البرتقالي في المملكة يأتي في هذا الإطار الاستراتيجي، حيث تستهدف المملكة رفع مساهمة القطاع إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي. تدعم هذا الهدف استثمارات كبيرة في قطاعات الثقافة والترفيه والمحتوى الرقمي.

تقدمت المملكة إلى المرتبة 17 عالميًا في مؤشر القوة الناعمة العالمي لعام 2026 (Brand Finance Global Soft Power Index)، الذي يقيس قدرة الدول على التأثير عبر أبعاد الثقافة والإعلام والاقتصاد. يعكس هذا التقدم تنامي الحضور الثقافي والإعلامي للمملكة على المستوى الدولي.

قطاعات النمو الملحوظ

سجل قطاع السينما تحولًا نوعيًا منذ عام 2018 مع إعادة افتتاح دور العرض. ارتفع عدد دور السينما إلى أكثر من 65 دار عرض تضم نحو 635 شاشة موزعة على أكثر من 20 مدينة في مختلف مناطق المملكة. حقق القطاع نموًا في الإيرادات بالتوازي مع تنامي الإقبال الجماهيري على المحتوى السينمائي.

في قطاع الفعاليات، استقطب موسم الرياض أكثر من 20 مليون زائر خلال موسم 2025. يعكس هذا الإقبال تنوع الفعاليات التي تشمل العروض الفنية والموسيقية والمعارض الثقافية والفعاليات الرياضية والمناطق الترفيهية المتخصصة. برزت فعاليات الموسيقى مثل MDLBEAST ومؤتمر XP Music Futures كمنصات دولية تعزز الحضور الثقافي للمملكة.

نماذج عالمية وأفضل الممارسات

استعرضت الدراسة نماذج دولية ناجحة في توظيف الاقتصاد البرتقالي. نجحت كوريا الجنوبية في تصدير محتواها الثقافي عالميًا عبر الموجة الكورية، مستفيدة من المنصات الرقمية في تحقيق انتشار واسع. يعتمد النموذج الأمريكي على منظومة متكاملة من الإنتاج الضخم والتوزيع العالمي، خاصة في صناعة السينما والإعلام.

أظهرت المقارنة أن الفارق بين هذه النماذج يرتبط بدرجة التكامل بين الإبداع والاتصال الاستراتيجي، وقدرة الدول على توظيف هذا التكامل في تعزيز التأثير الدولي. يعتمد نجاح توظيف الصناعات الإبداعية في بناء السمعة الوطنية على تكاملها مع منظومة الاتصال الاستراتيجي من خلال ربطها برؤية وطنية واضحة وتوحيد الرسائل.

التوصيات الاستراتيجية

قدّمت الدراسة عددًا من التوصيات لتعظيم أثر الصناعات الإبداعية. تشمل هذه التوصيات ضرورة مواءمة هذا القطاع مع الاستراتيجيات الوطنية وبناء إطار اتصالي متكامل يربط بين الإبداع والإعلام وتعزيز الاستثمار في المحتوى الرقمي القابل للانتشار.

أكدت الدراسة أهمية توسيع الشراكات مع المنصات الإعلامية العالمية والشخصيات المؤثرة وتطوير مؤشرات دقيقة لقياس أثر الصناعات الإبداعية. يجب أن تجمع هذه المؤشرات بين التغطية الإعلامية والتفاعل الرقمي والمؤشرات الاقتصادية.

أكدت W7Worldwide أن الصناعات الإبداعية تمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية في منظومة الاتصال الحديثة لما توفره من قدرة على الجمع بين التأثير الثقافي والعائد الاقتصادي وبناء السمعة. تُقاس فعالية الاتصال بمدى قدرته على التأثير في الإدراك العام وتعزيز الصورة الذهنية وتحقيق نتائج قابلة للقياس.

الدول التي تنجح في دمج الصناعات الإبداعية ضمن منظومة اتصال متكاملة تحقق حضورًا دوليًا أكثر تأثيرًا واستدامة وتعزز قدرتها التنافسية في بيئة عالمية تعتمد على القوة الناعمة والتأثير الثقافي.