يشهد الإنفاق الاستهلاكي السعودي توجهًا إيجابيًا قويًا خلال عام 2026، حيث يعتزم المستهلكون في المملكة العربية السعودية زيادة مستويات إنفاقهم، مسجلين ارتفاعًا صافيًا قدره +4 نقاط مئوية في نوايا الإنفاق، وفقًا لتقرير “آفاق المستهلك العالمي” الأخير الصادر عن شركة الاستشارات العالمية أليكس بارتنرز. ويأتي هذا في تباين لافت مع الانكماش العالمي الذي سجل تراجعًا قدره -18 نقطة مئوية.

تشير نتائج الدراسة السنوية، التي استندت إلى استطلاع رأي شمل أكثر من 13,000 مستهلك في تسع دول، إلى أن نوايا الإنفاق ما تزال تراوح بين الاستقرار والإيجابية بشكل عام. إذ يتوقع 38% من المستهلكين الحفاظ على معدلات إنفاقهم الحالية خلال عام 2026، في حين يخطط 33% منهم لزيادتها. ويتجلى هذا التفاؤل الاستهلاكي بوضوح أكبر لدى الفئات في سن العمل (18-44 عامًا) وذوي الدخل المرتفع، مما يعزز الرؤية القائلة بأن هذا التفاؤل واسع النطاق ويرتكز على أسس متينة.

ثقة المستهلك السعودي مستقرة للعام الثالث

للعام الثالث على التوالي، تُظهر النتائج أن ثقة المستهلك في السعودية ما تزال مستقرة، فيما يؤكد الارتفاع المسجل هذا العام على قوة الثقة الاستهلاكية في ظل التحول الاقتصادي المستمر الذي تشهده المملكة. يعتزم المستهلكون توجيه إنفاقهم الإضافي بشكل رئيسي نحو السلع الأساسية وفئات نمط الحياة اليومية، إذ تصدرت المواد الغذائية قائمة الأولويات بنسبة 15%، تليها تجارة التجزئة غير الغذائية كالملابس والأدوات المنزلية والإلكترونيات بنسبة 12%، ثم المطاعم وتناول الطعام خارج المنزل بنسبة 10%.

وفي المقابل، شهدت الرغبة في الادخار تراجعًا ملحوظًا، إذ يخطط 23% من المستهلكين لتقليل مدخراتهم (مقارنة بـ 28% العام الماضي)، بينما يتوقع 20% خفض إنفاقهم على السفر، مقارنة بنسبة 23% المسجلة في الفترة السابقة.

العوامل الاقتصادية تدعم نمو الإنفاق الاستهلاكي السعودي

“قوة الاقتصاد السعودي، إلى جانب معدلات التضخم المنخفضة التي تقارب 2%، وتراجع البطالة إلى مستويات قياسية، فضلًا عن تنامي دور المرأة في سوق العمل، كانت من بين العوامل التي ساهمت في تعزيز ثقة المستهلك السعودي خلال عام 2026، ودعم نمو دخل العائلات.”

كارل نادر، الشريك والمدير الإداري في أليكس بارتنرز

وأضاف نادر أن مبادرات رؤية 2030 تواصل تحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة، مما يفتح آفاقًا واسعة أمام الشركات، لكنه في الوقت ذاته يرفع حدة المنافسة في ظل تزايد وعي المستهلكين واهتمامهم بالتجربة والصحة والقيمة المقدمة.

الجودة والتجربة تتفوق على السعر

“التميز في المشهد السعودي لا يقتصر على حجم الإنفاق التقديري، بل يمتد ليشمل طبيعة هذا الإنفاق والغاية منه. فالمستهلكون اليوم يمنحون الأولوية للاحتياجات الأساسية، وفئات نمط الحياة اليومية، والتجارب التي توفر قيمة حقيقية.”

هشام عبد الخالق، الشريك والمدير الإداري في أليكس بارتنرز

وأوضح عبد الخالق أن هذا التحول يعكس نهجًا أكثر انضباطًا وانتقائية في الإنفاق، بعيدًا عن الحذر غير المبرر، مما يشير إلى نضج السوق ويفتح المجال أمام الشركات التي تركز على تلبية الاحتياجات الفعلية وتطبق استراتيجياتها بكفاءة لتحقيق النمو.

وبعيدًا عن حجم إنفاق المستهلكين، تكشف البيانات عن الدوافع التي تقف وراء خياراتهم. فبالنسبة للعلامات التجارية في السعودية، أصبحت المنافسة تركز بشكل متزايد على جودة التجربة أكثر من تركيزها على السعر وحده. ورغم أن 37% من المستهلكين أفادوا بأن تغيير وجهاتهم في تناول الطعام يعود إلى الأسعار والعروض الترويجية، إلا أن النتائج أشارت إلى وجود عوامل أخرى بنسب متقاربة، منها جودة الخدمة (29%)، وتنوع الخيارات (24%)، والتقييمات أو التوصيات الإيجابية (22%).

الصحة والتفاعل الرقمي يشكلان قرارات المستهلكين

باتت اعتبارات الصحة ونمط الحياة تشكل ركيزة أساسية في قرارات المستهلكين، إذ أفاد نصف المستهلكين في السعودية (50%) بأن العروض التي تعزز أسلوب الحياة الصحي وتدعم الصحة مع تقدم العمر تعد دافعًا رئيسيًا لتغيير علاماتهم التجارية أو مزودي الخدمة. كما أبدت نسب مماثلة من المشاركين في الاستطلاع اهتمامًا بالاستهلاك الواعي (44%)، وبالعروض التي تعزز الشعور بالأمان (43%).

وفي قطاع اللياقة والعافية، لم يتجه المستهلكون نحو التوقف عن الإنفاق الاستهلاكي السعودي، بل أعادوا توزيعه عبر البحث عن الخصومات (35%)، أو تقليص المصاريف الإضافية (30%)، أو الاستفادة من العروض المجانية (30%). كما أظهرت نتائج الدراسة أن التفاعل الرقمي بات يشكل السلوك الشرائي للمستهلكين بالتوازي مع استمرار الرغبة في التواصل البشري، حيث يرى 74% من المستهلكين أن الأدوات الرقمية أصبحت بنفس الأهمية أو أكثر أهمية مقارنة بالعام الماضي.

ويبرز الطلب على التعامل المباشر بوضوح عند تسوق المواد الغذائية (46%)، والملابس (40%)، وارتياد المطاعم (39%). وفي الوقت ذاته، يواصل الاهتمام بالأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي نموه، بدءًا من استخدام أدوات مثل ChatGPT في رحلة التسوق، وصولًا إلى الاعتماد على مدربي اللياقة الافتراضيين (37%).